أرسطو

7

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

هذه العلوم ، والحقائق التي تكشفها لنا هي إما منازع فيها وإما مقتضية لفهمها ملكات ليست لجميع العقول . فأما أولاها فإنها خارجة عن الانسان ، فتقتضى مشاهدات خارجية صعبة ومحوطة بالشكوك غالبا بل مستحيلة أحيانا ، والأخرى إنما هي سلاسل طويلات من الاستدلالات لا يكاد يكون التمشى معها ميسورا . وأما في علم الأخلاق فالأمر على ضدّ ذلك . كل منا يحمل في نفسه جميع ما يشتغل به هذا العلم من الموضوعات التي - لأنها كلها حقيقية - لا تنفك ماثلة تحت أعيننا . فليس علينا أن نخرج عن أنفسنا لنتعرّفها ، بل حسبنا أن نسأل أنفسنا بانتباه وإخلاص لنظفر بأجوبة لا يتطرّق إليها الخطأ ، وما هذه الأجوبة من قلب شريف عدل يعرف أن يخرس الأثرة والشهوة إلا كأجوبة الوحي ، حقيقة بالتصديق لأنها لا تخدع البتة . ومع التسليم بأن هذه الأجوبة كان يمكن أن تختلف في العصور القليلة الرقىّ ، أو أنها لا تزال يختلف بعضها عن بعض عند الشعوب قليلة المواهب ، فإنها عندنا الآن أجوبة متماثلة ثابتة . لندع جانبا تلك الخلافات التي إن لم تكن فاسدة بالمرة ، فهي على الأقل غير ثابتة ، ولنؤكد من غير أن نخشى الزلل أن حقائق علم الأخلاق في الساعة الراهنة عند الأمم المتمدّنة ليست منذ الآن محلا للجدال بين النفوس الفاضلة ، وأن تلك الحقائق لا خوف عليها . يمكن أن يقع الجدال في النظريات ، ولكن لما أن سلوك الناس الأخيار هو في الواقع واحد ، يلزم حتما أن يكون بينهم قدر من الحق مشترك يستند إليه كل واحد منهم ، من غير أن يستطيع مع ذلك في الغالب أن يقف غيره عليه ولا أن يدركه هو نفسه . ومن النادر أن يقع إجماع الآراء على طريقة بسط مذهب بعينه مهما أجيدت ومهما بلغت من الحق ، ولكن من الأفعال ما هو مقرّ عليه عند